رحلةٌ، وأعلامُ فكر، وثقافات مغربية، وانفتاح على ثقافات من العالم الأوسع، كل ذلك يحضر في أحدث دورات المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط في دورته الحادية والثلاثين، التي تكرّم ابن بطوطة، وتستقبل فرنسا ضيفة شرف، بعدما استقبلت باريس المغرب ضيف شرف في معرض كتابها السنة الفارطة. ويرافق ما أملاه ابن بطوطة على ابن جزي مسير زائر معرض الكتاب، باقتباسات من محطات متعددة قبل دخول الأروقة، وفي تقمّص لشخصيته بالحكي الموجه للأطفال واليافعين، ورواق خاصة بالرحلات ورحلة “تحفة النظار” خاصة، عبر مخطوطات، وخرائط، وشاشة تفاعلية تبرز ما قاله عن المالديف والعراق والهند وتومبوكتو وغيرها… وصور من الزمن الراهن لما وقف عليه من معالم، “متوقفا عند مدن الأندلس والمغرب والجزيرة العربية وتركيا، انطلاقا من حاضرة طنجة، مرورا بسبتة المغربية، ووصولا إلى رندة ثم غرناطة وسجلماسة وصلالة والقسطنطينية، وانتهاء بمدينة فاس”. أما رواق السفارة الأوكرانية فعرّف بكتابات للأطفال وعموم القراء بالأوكرانية وغيرها، بينما اختارت السفارة التشيكية، في مبادرة مبتكرة، تخصيص رواقها بالكامل لمعرض حول كاتبها الأبرز: كافكا. في هذا الفضاء البديع محاكاة لكوكب الأمير الصغير، وفكره، وتأملاته، بمجسمات، وبدعوة للرسم والكتابة والخيال، وبالعرض الضوئي أيضا، مع ترك وصية للأطفال، الذين كبروا والذين مازالوا في بداية رحلتهم: “لا يرى المرء رؤية صحيحة إلا بقلبه، فإن العيون لا تدرك جوهر الأشياء”. وبرواق جمعية ميمونة المهتمة بالتراث الثقافي اليهودي المسمّى “الزوهرة الفاسية” يجد الزائر أعلاما آخرين للموسيقى المغربية، وتجربة تتيح الاطلاع على مسار وأنغام موسيقيين مغاربة، من قبيل: سامي المغربي، حاييم بوطبول، فيلكس المغربي، الشيخ مويجو، زهرة الفاسية، بينحاس كوهين، ريموند الوجدي، وآخرين. ابن بطوطة ليس الوحيد الذي تذكّره مواطنون قطنوا الأرض التي عرفته، بل يتضمّن المعرض لوحات تعريفية بأعلام عرفهم المغرب في مراحل من حياته: ابن رشد، الشريف الإدريسي، فاطمة الفهرية، وغيرهم. كما يستحضر رواق آخر أعلاما مغاربة وعالميين كثرا، من بينهم على سبيل المثال لا الحصر: القاضي عياض، محمد عزيز الحبابي، محمد بن سليمان الجزولي، شمعون ليفي، محمد بنشريفة، سالم يفوت، وغيرهم وغيرهن الكثير.
في حين اختارت السفارة الروسية في رواقها التعريف بالتراث الأدبي والفني الروسي، والتراث المغربي أيضا، ومنشورات وإرث خريجين مغاربة من الجامعات السوفياتية السابقة والروسية اللاحقة. مستجدات فلسطين والإبادة الإسرائيلية لها يهتم بها أيضا رواق منظمة العفو الدولية الذي حول جدرانه إلى لافتات، تندد بالقانون العنصري الإسرائيلي الذي أقر إعدام الفلسطينيين وحدهم، فيما “يسمح” لمن اتهم من غير إثنيّتهم بالحياة في السجن. مع ابن بطوطة يرسم معرض الكتاب مسار رحالة مغربي، مسلم من طنجة، جاب أطراف العالم طيلة 29 سنة، وترك شهادة فريدة في ما أملاه: “تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار”، مع جعل مسارهِ دعوة للقراءة والتأمل؛ فـ”الكتاب سفر، والسفر كتاب”. بمعرض الكتاب تحضر المخطوطات المغربية الإسلامية باللغة العربية في أروقة متعددة، من بينها المكتبة الوطنية للمملكة المغربية، ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، ومكتبة آل سعود للدراسات الإسلامية والعلوم الإنسانية بالدار البيضاء، وغيرها. ويعرّف المعرض بتحقيقات لـ”الرحلة”، أبرزها تحقيق عبد الهادي التازي الصادر عن أكاديمية المملكة المغربية، وترجمته إلى لغات من بينها الصينية. ومن المحطات البارزة في الدورة الراهنة، التي تستضيف فرنسا ضيفة شرف، فضاء خاص بقصة “الأمير الصغير” تعيد خلق عالم القصة المتخيلة الأكثر ترجمة من اللغة الفرنسية، التي شكّلها كاتبها الطيار أنطوان دو سانت إكزوبيري بطرفاية بالمغرب. ويوفر رواق وزارة الأوقاف شاشات تفاعلية للتنقل عبر صفحات مخطوطات مغربية، ومساجد جوامع عبر المدن والتاريخ، والدخول في مسابقات حول السيرة النبوية.
كما تدعو جدران الرواق، بصور وتعبيرات، إلى الدفاع عن حقوق السودانيين، وحقوق الإنسان، بما في ذلك حرية المرأة، وحرية الرأي والتعبير. في معرض الكتاب اختارت أروقة مهنية عرض كتب المشتغلين بها، مثل كتابات الصحافيين في رواق النقابة الوطنية للصحافة المغربية، وكتابات الدبلوماسيين في رواق “النادي الدبلوماسي المغربي”، والمحامين في رواق “هيئة المحامين”. أما رواق بيت مال القدس الشريف بالرباط، الذي يحضر فيه مجسّم بارز لقبة الصخرة بجانبها العلم المغربي، فيقدم شاشات تفاعلية موجهة للأطفال لتعريفهم بالتراث الفلسطيني والصلات المشتركة بين المغرب والقدس، ويقدم مؤلفات موجهة للأطفال للتعريف بتراث العاصمة الفلسطينية، فضلا عن كتب وأبحاث ومجلات حول تاريخ القدس وفلسطين في الماضي والحاضر، وأدوار المغرب والمغاربة والملك محمد السادس في دعم الحفاظ على طابعها الإسلامي. وتتزامن الدورة 31 من المعرض الدولي للنشر والكتاب بالعاصمة مع إعلان الرباط عاصمة عالمية للكتاب من طرف “اليونسكو”، وهو ما جعل “مؤسسة المحافظة على التراث الثقافي لمدينة الرباط” تخصص جزءا من رواقها للتعريف بمنشوراتها الموجهة للأطفال وفئات أخرى، وخصصت أجزاء أخرى من الفضاء لإبراز “الكتاب بوصفه أداة محورية في نقل التراث وصونه؛ فهو يحفظ الأثر، وينقل المعرفة، ويتيح قراءة روافد الذاكرة الجماعية”. ولا يقتصر الاحتفاء بابن بطوطة على أروقة المغرب بمعرض الكتاب، فرواق دولة الصين يدعو بدوره الزائر إلى “تتبع خطوات ابن بطوطة لاكتشاف الصين”، مقدما صورا من مختلف أنحاء الجمهورية. ويجد الزائر بالمعرض مجسّمات كتب ضخمة، عناوينها بالأمازيغية بحرف تيفيناغ، وبالعربية بالحرف العربي، وبالإنجليزية والفرنسية بالحرف اللاتيني، مع دعوات للقراءة والفهم، ولِم لا التقاط صورة مع الكتاب، للذكرى. وبرواق آخر من أروقة وزارة الثقافة يعرّف معرض الكتاب بالعناصر المغربية المدرجة في قائمة التراث اللامادي للإنسانية التي تشرف عليها منظمة اليونسكو، ومن بينها الخطوط المغربية العربية، التي سجّلت في ملف مشترك مع 14 دولة عربية أخرى، والزليج، والقفطان، مع عشرات الاقتباسات من كتب عبر التاريخ تتحدث عن لقائها بهذه التعبيرات الثقافية في مدن مغربية متنوعة، من بينها ما كتبه ابن القاضي، كربخال مارمول، إسماعيل بن الأحمر، حسن الوزان، ابن الحاج النميري، جون ويندوس، ابن خلدون، وآخرون.
