تطورات بارزة في تأملات

في الذكاء الاصطناعي والإبداع البشري بعد أكثر من ثلاثين عاما في مجال النشر، أرى أن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد تحول تكنولوجي، بل نقطة انعطاف في الإبداع ذاته. لكن الحقائق الأكثر عمقا -تلك التي تهز روح القارئ- تشبه في الغالب تلك الرسالة المسروقة: لا توجد في البيانات، بل في الطرق الخفية والحدسية التي نختارها لإخفائها أو الكشف عنها. أما الإبداع البشري، فهو «عامل دوبين». في الأسبوع الماضي فقط، قرأت أن «تيم كوك» يستعد لمرحلة انتقالية، حيث من المرجح أن يتولى رئيس أجهزة «آيباد» المسؤولية، بينما تعمل «أپل» على سد الفجوة في الجبهة الكبرى القادمة: الذكاء الاصطناعي. كان فاغنر يعلم أنه حتى في عالم الآلهة والعمالقة، فإن العنصر البشري – البطل الذي يتحرك بدافع الإرادة الحرة والعاطفة – هو الذي يغير مسار القدر حقا. أتذكر ازدواجية تلك الأيام الأولى مع نظام تشغيل «ماك». كنت حينها شابا، طالبا جامعيا، وحالما كبيرا يتطلع إلى مستقبل مُشرق. يستخدمون الإبر لسبر أغوار الوسائد والمجاهر لفحص الأسطح، ومع ذلك لا يجدون شيئا. ولأول مرة، صار لنا الحق في الإخفاق ثم الإصلاح دون تكلفة. إذا كان الجزء الأول يدور حول قَدَر التكنولوجيا، فإن الجزء الثاني يدور حول التميُّز. هذا هو المفترق الذي نجد أنفسنا فيه مع الذكاء الاصطناعي. ذكرني ذلك بشيء قاله المدير التنفيذي لشركة «مرسيدس» ذات مرة في فيلم وثائقي: «ما قيمة أن يكون لديك أفضل محرك دييزل في العالم، لكن لا يشتريه أحد». بدأت أثق في التكنولوجيا، وفي المقابل، أصبحت حياتي أسهل. أما ما لا يستطيع تعويضه فهو الحدس الإنساني – تلك القدرة على خلق المعنى ومنح النص روحا. فهو يتمتع بكفاءة مذهلة في البحث في الأرشيفات الهائلة للمعرفة البشرية. الذكاء الاصطناعي ثورة ضخمة، ربما هي الأكبر في التاريخ البشري، لكنه يظل «نوتة موسيقية» بلا أوركسترا حتى نمنحه نحن نَفَس الحياة. لكن تحذير فاغنر يتردد عبر القرون: القوة العظمى بلا روح هي لعنة. عندما كنت أشغل الكمبيوتر وأرى أيقونة «Finder» الضاحكة، كنت أشعر بالسعادة. يمكنه تحليل كل مسودة، وكل كلمة، وكل نمط بسرعة لا يمكن لأي بشر مضاهاتها. فمن يصيغ منه خاتما يمكنه أن يحكم العالم، ولكن بتكلفة باهظة: يجب عليه أن يتخلى عن الحب – وهو جوهر ما يجعلنا بشرا. ومن خلال مسيرتي المهنية في النشر التي امتدت لثلاثين عاما، أدركت أن الجزء الأصعب بالنسبة لأي كاتب ليس المُسوَّدة الأولى، بل تلك العملية المضنية من المراجعة وإعادة صياغة النص الأولي. وحده المحقق «دوبين» من يجدها؛ ليس لأنه كان أكثر «آلية» من الشرطة، بل لأنه كان أكثر إنسانية. يمكن للآلة أن تفتش الوسائد، ولكن الإنسان وحده هو من يعرف أين يكمن قلب القصة. إن التحدي الذي يواجهنا اليوم لا يكمن في ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيستبدلنا، بل في كيفية استخدامه دون أن نفقد ما يجعل النشر في عمقه فعلا إنسانيا.

في ذلك الوقت، كانت المكتبات المجاورة للكلية تضج بقرقعة الآلات الكاتبة الميكانيكية. لقد وجدها موضوعة بوضوح أمام الأعين، متخفية في صورة ورقة مهملة، لأنه فَهِم عقلية السارق. يجب أن نمسك بالخاتم دون أن نفقد إنسانيتنا. كنت أصاب بالاكتئاب. إن خطر عصر الذكاء الاصطناعي ليس في تمرد الآلات، بل في احتمال أن «نتخلى نحن عن حب» العملية الإبداعية. لكنه، تماما مثل الشرطة، غالبا ما يفتقد «الرسالة» لأنه لا يعرف سوى البحث في الأماكن التي تمت برمجته للبحث فيها؛ إنه يتبع قواعد المحرك. لقد غيّر «الماك» كل شيء. إنه يمنحنا القدرة على أتمتة الفكر، وتجاوز «صراع» المسوَّدة، والتحكم في الأرشيفات الشاسعة للتاريخ البشري بأمر واحد بسيط. أولا: التطور هو القَدَر.. أصبُّ لجام غضبي على «التكنولوجيا»، ويمر يومي سيئا، فألوذ بحنين عميق إلى الورق و«الزمن الجميل». إذا تركنا الذكاء الاصطناعي يشعر نيابة عنا، فنحن مجرد مرتدين لخاتم يمنحنا القوة بينما يفرغ قلوبنا من الداخل. ولإيجاد موازٍ لثورة بهذا الحجم، ألتفتُ إلى ريتشارد فاغنر وملحمته «خاتم النيبلنغ». بل: كيف؟ إنهم يبحثون عن الرسالة حيث يملي عليهم المنطق أنها يجب أن تكون. وتعد هذه الوثيقة التاريخية أول أداة عالمية لوضع المعايير، حيث ترتكز في تطوير الذكاء الاصطناعي على حماية حقوق الإنسان والكرامة والاستدامة. كان فاغنر روح عصر حددته الاضطرابات الصناعية والاجتماعية الهائلة، وهو زمن يشبه زماننا إلى حد كبير، حيث كانت اليقينيات القديمة تنهار لتفسح المجال لعالم جديد قوي بشكل مرعب. نحن نعيش في عالم أصبح فيه «منطق» الآلة في كل مكان. نحن الآن في عصر الذكاء الاصطناعي بكل ثبات، ولم يعد السؤال: هل يجب أن نتعامل معه؟ إنه أداة ذات نطاق هائل لدرجة أنه يبدو وكأنه قوة من قوى الطبيعة أكثر من كونه مجرد برمجيات. بصفتي ناشرا ومحاولة أن أكون كاتبا، أرى الذكاء الاصطناعي بمثابة «الشرطة» في قصة «بو». خاتمة بينما نقف على عتبة عصر تحدده القفزات التكنولوجية المتسارعة، انتقل الحوار المحيط بالذكاء الاصطناعي مما يمكنه فعله إلى ما ينبغي له فعله. فخلال ثلاثين عاما في النشر، تعلمت أن جمال الكتاب لا يكمن فقط في المنتَج النهائي؛ بل في العَرَق البشري، والشك، واكتئاب صباحات الاثنين، والانتصار النهائي للروح. فاغنر والخاتم الرقمي إذا كان جهاز «الماك» الأول معجزة، وقصة «الرسالة المسروقة» درسا في الحدس، فإن صعود الذكاء الاصطناعي هو «غسق الآلهة» (Götterdämmerung) الخاص بنا. هذه هي حقيقة التقدم؛ فالتطور لا يستأذن أحدا، ولا يترك مجالا للهروب.

المنطق مقابل الحدس في قصة إدغار آلان بو «الرسالة المسروقة»، تفتش الشرطة كل شبر في منزل المشتبه به بدقة علمية. يجب أن نستخدم الآلة، ولكن دون أن ننسى الأغنية أبدا. الذّكاء الاصطناعي قد حلّ بيننا في أبريل من عام 1994، لمستُ جهاز كمبيوتر لأول مرة. كان لديهم دائما آلتان: واحدة للغة العربية وأخرى للفرنسية أو الإنجليزية أو الإسبانية، حيث كان يتعين إضافة الرموز والنبرات الخاصة يدويا بعد الانتهاء من النص. ثالثا: «ذهب الراين» الحديث.. في ورقتي المعنونة تأملات حول الذكاء الاصطناعي والإبداع الإنساني، أؤكد أنه رغم قدرة الذكاء الاصطناعي على معالجة المحتوى وتوليده بكفاءة مذهلة، فإنه يظل مقيدا بالمنطق. بدأت ألتزم بمواعيد التسليم، واختفت «الأيام السيئة» وتوقف الالتفات إلى الوراء؛ لقد وقعت في حب التطور. أستحضر ما قاله «خوسيه بورغينو» في أحد لقاءاته، بأنه من دون محتوى عالي الجودة، فإن الذكاء الاصطناعي لا قيمة له. في نهاية المطاف، تركت تلك الأيام وراء ظهري. إنه «الحق في ارتكاب الأخطاء» الذي اكتشفتُه في أول جهاز «ماك» عام 1994، وقد تحول إلى شكل من أشكال الفن. اليوم، الذكاء الاصطناعي هو «ذهب الراين» الخاص بنا. في دورة فاغنر الأوبرالية، يمثل «ذهب الراين» مصدرا لقوة لا حدود لها. ولكن، إذا كان صباح يوم اثنين وكان عليّ تسليم ورقة بحثية لعميل في تمام الساعة الواحدة ظهرا وتوقف النظام عن العمل؟ كان يحمل شعار التفاحة المقضومة بألوان قوس قزح. ولخوض غمار هذا المشهد المعقد، يجب أن نتطلع نحو الأطر العالمية الراسخة التي تعطي الأولوية لقيمنا الإنسانية المشتركة. ومن المراجع الأساسية في هذا الصدد «توصية اليونسكو بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي»، التي اعتمدتها 193 دولة عضو بالإجماع في عام 2021. نحن لسنا في نهاية القصة، بل في بداية جديدة. ومن خلال تأكيدها على الشفافية والمساءلة وسيادة القانون، فإنها توفر لنا خارطة طريق حيوية لضمان أنه كلما زاد ذكاء آلاتنا، ظلت مجتمعاتنا مسالمة وعادلة وشاملة. ثانيا: الرفّ الخفي.. إنه القدرة على وضع الفكرة الأكثر قيمة أمام أعين الجميع بطريقة لم يتوقعوها. بالنسبة لي، كانت تلك الآلة معجزة؛ شاشة نابضة بالحياة، والقدرة على الكتابة من اليمين إلى اليسار ومن اليسار إلى اليمين في آن واحد، والأكثر إثارة للدهشة: القدرة على حذف فقرة واستبدالها في لمح البصر. منحنا رفاهية «الخطأ».

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *